facebook-new





دخلت مركبتي الذريّة التي ستمكنني من التحرك ضمن أقسام الدماغ البشريّ. سألتقي مدراء الأقسام الدماغية وأسألهم عن أقسامهم وأفهم كيف تعمل هذه الأقسام مع بعضها البعض. سأبحث خلال رحلتي عن الروح، وأدرس كيف تتفاعل مع الدماغ وسأعمل على حلّ لغز «الأنا».
 
انطلقت مركبتي الصغيرة من خلال النخاع الشوكيّ باتجاه الدماغ في الرأس. وجدت لافتةً مكتوبٌ عليها: Welcome to the Brain. نزلت من المركبة وقابلت موظف الإستقبال، سألته: «أين أنا الآن؟ أعلم أني في الدماغ، لكن ما هو هذا القسم؟».

قال: «أنت في جذع الدماغ Brain stem! قسمنا موجودٌ أسفل الدماغ، وهو أقدم أقسامه وأوّل ما نشأ منه، وهو بوّابة التواصل بين أقسام الدماغ العليا وبقية أقسام الجهاز العصبيّ المنتشرة في الجسم».
سألته: «ماذا تعني أولّ الأقسام؟ أخبرني أكثر عن تاريخ قسمكم ووظائفه»
قال: « عندما بدأت الحيوانات بالحركة عن طريق العضلات، كان لابدّ من وجود ما يتحكم بحركة هذه العضلات بما يتناسب مع هدف الحركة، وقد تطلّب هذا وجود قسمٍ ينسّق الحركات ويؤقّتها كي تكون الحركة ذات فائدةٍ للجسم، فمع تكوّن العضلات بدأت تتشكل أنواعٌ جديدةٌ من الخلايا: خلايا تستطيع استشعار الظواهر الطبيعية الخارجية، وخلايا تستطيع التواصل داخل الجسم وإرسال الرسائل والأوامر لتنظيم الحركات. جميع الوظائف الأساسية لبقاء الجسم على قيد الحياة هي من مسؤوليات قسمنا: قسم جذع الدماغ، فنحن نملك مليارات الخلايا العصبيّة ولا نتوقف عن العمل اطلاقًا. حتى أنّ توقّف قسمنا عن العمل يؤدّي إلى موت الجسم مباشرة، كما أنّ قسمنا مسؤولٌ عن تنظيم دقّات القلب والتنفس والهضم والمضغ وردات الفعل اللا إرادية مثل التقيّؤ وغيرها من الوظائف الأساسية الضروريّة لاستمرار الحياة. قسمنا أيضًا مسؤولٌ عن تنظيم المشاعر الأساسية مثل الجوع والعطش والخوف، وبسبب موقع قسمنا الاستراتيجي، فإن جميع الإشارات الآتية من الجسم تمرّ عبر قسمنا، كما تمر عبره جميع الأوامر الخارجة من الإدارة باتجاه الجسم».
سألت: «ماذا تعني موقعكم الاستراتيجي؟»
فأجابني: «نحن أوّل الأقسام الدماغيّة التي تطوّرت عند الأحياء، لذلك موقعنا هو الأقرب إلى النخاع الشوكيّ، فكلما صعدت إلى الأعلى، ستكتشف أقسامًا حديثةً وخصائصًا معقدةً أكثر. قسمنا هو في قاعدة المخّ ويصل أقسام المخّ مع النخاع الشوكيّ. إن أردت، راقب مراحل تشكلّ جنين الإنسان وستشاهد كيف يبدأ تشكّل قسمنا أولًا وثم تبدأ الأقسام الأخرى بالتشكّل فوقه إلى أن يأخذ شكل الدماغ المتعارف عليه، ففي المراحل الأولى من التكوّن الجنينيّ يتخذ قسمنا شكلًا متطابقًا مع جميع الكائنات الحية الأخرى. ففي النهاية جميع الأحياء تحتاج من ينظم دقّات قلبها ونسبة ضغط الدم وإدارة عملية الهضم وغيرها من الوظائف الأساسية؛ يُسمي البعض قسمنا باسم “قسم الزواحف”، نسبةً لنشوئه عند الزواحف أولًا، وطبعًا نحن لا نكترث لما يجري في الأقسام العليا ومشاكلهم».
سألته: «ماذا تعني بقولك: لا نكترث لما يجري في الأقسام العليا؟».

قال: «نحن لا نكترث مثلًا لما يجري في الأقسام الأحدث من الدماغ التي تتعلق بالأحاسيس والإرادة وغيرها، فنستمرّ في تنظيم عمليات التنفس والهضم وضغط الدم مهما كان شعور المرء الكائن، وفي بعض الأحيان تأتينا إشارات استغاثةٍ من أحد أقسام الجسم، مثلًا عند تعرض الجلد لحرارةٍ مرتفعةٍ بشكلٍ مفاجئٍ، وبحكم خبرتنا الواسعة، نقوم بإرسال إشاراتٍ للعضوالذي يتعرض للحرارة بما يتوجب فعله مباشرةً دون العودة إلى الإدارة العليا، إذ لا يكون لدينا وقتٌ نضيّعه في الروتين الإداري».
قلت: «شكرًا لك على وقتك. أين يتوجب أن أذهب الآن؟».
 
قال: «عليك الذهاب إلى قسم المخيخ cerebellum، فهو خلفنا مباشرةً».
 
قلت ممتنًا: «حسنًا شكرًا لوقتك». ثم صعدت إلى الأعلى عن طريق السيالة العصبية فرأيت شاخصةً تقول: «أهلًا وسهلًا، هنا قسم المخيخ، حيث يتعلم الأطفال ركوب الدرّاجة». هبطت من مركبتي واقتربت من مسؤول الإستقبال في قسم المخيخ وقلت له: «أنا هنا لأتعرف على قسمكم!». 

رد قائلًا: «أهلًا وسهلًا، سأخذك بجولةٍ داخل القسم، لكي تتعرف عليه. عمومًا، نحن قسم تنسيق الحركة الإرادية في الجسم. كالوقوف والتوازن والمشي وكلّ ما يتعلق بالحركة. فنحن من يقوم بتحريك العضلات أثناء السير أوالسباحة أوقيادة السيارة أوالأكل. نتلقى أوامر الحركة من عدّة أقسامٍ في الدماغ ونخزّن هذه الحركات ضمن الذاكرة».
 
سألته: «هل هذا هو سبب الشاخصة عند المدخل التي تقول (هنا يتعلم الأطفال ركوب الدرّاجة)؟»

قال: «نعم، إنه شعارنا. فنحن مركز الذاكرة الحركية. جميع الحركات التي نقوم بها نضعها في أرشيفنا لكي يسهل علينا استخدامها مجددًا. مثلًا عند تناول الطعام قسمنا هو من ينسّق الحركات لكي تتم العملية بنجاحٍ عند السباحة أو ممارسة الرياضة أو قيادة السيارة. قسمنا يأخذ المسؤولية في تنفيذ الحركات دون تأثيرٍ من مركز الإدارة.

قلت له: «هل يمكن لقسمكم بالتعاون مع قسم جذع الدماغ ابقاء الجسم حيًا دون مساعدة بقية الأقسام الأخرى؟».

ابتسم قائلًا: «لا، ليس بالضرورة، قد يبدو لك هذا لكن الأمر يتعلق بنوع الكائن الذي نتحدث عنه، لربما كان ماتقول ممكنٌ في مرحلةٍ من مراحل تطوّر الحياة، لكننا اليوم نعيش في واقعٍ تنافسيٍّ كبيرٍ ونحتاج جميع الأقسام الأخرى، فلا تتسرع بالحكم. كل قسمٍ من أقسام الدماغ ذو أهميّةٍ ويعمل على الحفاظ على الجسم حيًا. إنّ المقولة القائلة بأنّ الإنسان لا يستخدم سوى ٢٠٪ من دماغه، نعتبرها اهانةً للعمل الشاق الذي نقوم به جميعًا، فلا مكان للعاطلين عن العمل بيننا».

سألته: «هل تأخذون قسطًا من الراحة أم أنكم تعملون بشكلٍ مستمرٍ مثل قسم جذع الدماغ؟».

أجاب: «عند نوم الجسم تأتي الأوامر بفصل قسمنا عن العمل وابقائه في حالة متابعة، فالإدارة لا تريدنا أن نقوم بتنفيذ ما يحدث أثناء الحلم من حركاتٍ. تنفيذ حركات الحلم قد يكون خطرًا، فمثلًا القفز من السرير، أو ركل الكرة أثناء النوم، لهذا نضع القسم في حالة متابعة إلى أن تأتي الأوامر بالاستيقاظ. وعند الاستيقاظ، يرسل لنا قسم الإدارة إيعازًا بالإقلاع والبدء بتنفيذ الحركات الواردة الينا.. وبما أنك سألتني أيضًا عن موضوع النوم، فقسم الإدارة يفصل قسم المنطق أثناء النوم، وهذا، لكي لا تستنفر بقية الأقسام في حال تخيّل قسم الذاكرة البصرية بعض الأمور الغير منطقيةٍ.. هل تريد أن تسمع طرفةً؟».

قلت له: «تفضل!».

قال: «في بعض الأحيان، وبسبب النوم العميق والإرهاق العامّ، يتأخر قسمنا في الإقلاع عند مرحلة الاستيقاظ. فيرسل لنا قسم الإدارة أوامرًا بالحركة، فلا نستطيع تنفيذها مباشرةً، وفي هذه الحالة يشعر قسم الإدارة بالذعر وتستنفر مديرية اللوزة Amygdala في جذع الدماغ. إذ أن أوامر قسم الادارة لا تلقى من يستقبلها. وفي هذه الحالة نسمع ضجيجًا ورسائل استغاثةٍ من هنا وهناك، وتعلن جميع الأقسام حالة الطوارئ. ستتعرف على بقيّة الزملاء بعد قليل. آه، بالمناسبة، سمعت أنهم يعتقدون في العالم الخارجي أنّ سبب عدم الاستيقاظ هو جنيّ أو غول يجلس على الجسم ويمنعه من الحركة. يسمون هذا الجنيّ الجاثوم، لكن واقع الأمر هو أنّ قسمنا لم يقلع في الوقت المناسب، والاسم الصحيح لهذه الحالة هو شلل النوم Sleep Paralysis».

قلت: «جميلٌ، أين موقعنا الآن بالنسبة للمراقب الخارجيّ؟».

قال: «نحن في مؤخرة الرأس في الأسفل».

قلت له: «شكرًا على وقتك. إلى أين تنصحني بالذهاب الآن؟».

قال لي: «محطّتك القادمة تقع في الطابق الثاني. عليك أن تذهب إلى قسم المِهاد Thalamus ».
انطلقت نحو الأعلى حتى وصلت المِهاد أو مايسمى أحيانًا بالسرير البصري، وهو يقع فوق الفم تقريبًا في مركز الرأس. نزلت من المركبة وتفحصت المكان. إنّها غرفةٌ كبيرةٌ بشكلٍ بيضويٍّ، مليئةٌ بالوصلات الدماغيّة. وظيفة المِهاد توزيع المعلومات بين جميع الأقسام في الدماغ، فهو يشبه مركز السنترال الخاصّ بالهاتف، مليءٌ بالوصلات والشبكات. قابلت المسؤول عن القسم وسألته عن مهام قسمه، 
 فقال لي: «أحد أهم مهامنا هو توزيع المعلومات بين الأقسام، إذ علينا تحديد الأولوية في توزيع المعلومات: من يعلم بماذا ومتى. مثلًا، عندما تأتي إشارةٌ بصريةٌ مصحوبةٌ مع إشارةٍ سمعيةٍ، علينا توزيع هذه الاشارة إلى جميع الأقسام المسؤولة عن تحليلها ثم نقل النتيجة لقسم الادارة والإدراك.
قلت له: «يبدوعملًا في غاية الأهمية، لكن ماذا يوجد في المنتصف؟ يبدو وكأنّه سلّمٌ ينزل إلى الأسفل. ماذا يوجد هناك؟».
قال لي: «تعال معي كي ترى. هذا قسم الوطاء (تحت المِهاد) Hypothalamus، هنا يتم انتاج هرمونات التحكم بالجوع والعطش ودرجة حرارة الجسم، والتحكم بالعواطف والأنشطة الجنسيّة. يتم هنا أيضًا التحكم بالنموّ والحبّ والإعجاب والخوف وأغلب المشاعر التي يشعر بها الإنسان».
قلت متعجبًا: «كل هذا يحدث من خلال هذا القسم الصغير؟».
قال: «نعم، هنا تتواجد الغدّة النخاميّة Pituitary gland التي تعمل على إنتاج الهرمونات، وهذه من أهمّ وسائل التواصل بين الدماغ وبقيّة الأعضاء».
سألته: «إذًا ما الفرق بين الهرمونات والسيالة العصبية؟ أليست السيالة العصبية مسؤولةٌ عن إرسال الاشارات بهدف التواصل؟».
قال لي: «صحيحٌ، نحن نستخدم السيالة العصبية للرسائل المستعجلة ذات التأثير السريع، بينما نستخدم الهرمونات في حالات التواصل الأكثر استقرارًا والتي تحتاج أثرًا طويل الأمد، بين عدّة ساعاتٍ إلى عدّة أسابيعٍ. لكن كِلا الهرمونات والسيالة العصبية هي وسائل الجهاز العصبيّ في نقل المعلومات».
دخلت داخل غرفة الغدة النخامية. هي موجودةٌ تقريبًا خلف العيون في مركز الرأس. ووجدت مصنعًا كيميائيًا كاملًا، تقدّمت إلى الداخل وسألت المسؤول عن الأدارة: «أرجو أن تخبرني عن عمل الغدة النخامية!».
قال لي: «أهلًا بك في الغدة النخامية، نحن بشكلٍ عامٍ جزءٌ من قسم الهيبوثلاموس نتحكّم وننظّم بقيّة الغدد في الجسم عن طريق إفراز الهرمونات. من هنا يتم التحكّم بالغضب والحبّ والحزن والقلق وغيرها من المشاعر. قسمنا أيضًا يقوم بتنظيم دورة النوم والاستيقاظ. نحن نفرز الهرمونات من خلال هذا الوعاء الدمويّ الذي تراه أمامك لينتشر الهرمون المراد توزيعه داخل الجسم عبر الدورة الدمويّة وينقل المعلومات لبقيّة الغدد وأعضاء الجسم عن ما يتوجّب فعله».
قلت له: «هل تقصد أنّ الحبّ يصنع هنا؟».
قال لي: «نعم .. هل ترى هذا الوعاء الأزرق؟ هنا لدينا مخزونٌ من الأوكسِتوسين Oxytocin . هذا الهرمون هو هرمون التعاطف الإجتماعيّ والحبّ. طبعًا لا نقوم بإفرازه إلا عند الحاجة وقيام الجسم بأعمالٍ اجتماعيّةٍ ايجابيّةٍ. يطول الحديث عن الحبّ».
شكرته على حسن الضيافة وسألته: «إلى أين أتّجه الآن؟».
قال: «حسنًا، أنت موجودٌ الآن في الهايبوثالاموس، يجب عليك التوجه إلى الأعلى. وجهتك القادمة ستكون وجهةٌ معقدةٌ بعض الشيء. سوف تزور أكثر أقسام الدماغ تعقيدًا وأكثرها عملًا».
قلت له: «وأين هذا القسم؟».
 قال: «فوقنا مباشرةً، عليك الذهاب إلى قسم المخ Cerebrum».
عدت لمركبتي وتحرّكت باتجاه المخّ، ولاحظت أنّ هذا القسم كبيرٌ جدًا ويتألّف من جناحين منفصلين. جناحٌ أيمن وجناحٌ أيسر. جاءتني موظفة الإستقبال مرحبّةً، فسررت للمساوة في الوظائف بين الإناث والذكور. فسألتها: «أين يقع المخّ بالضبط؟».
قالت لي: «انت الآن على مستوى العين بشكلٍ دائريٍّ حول الرأس، كما تلاحظ، المخ مقسوم إلى نصفي كرتين مخيتين: يمنى، ويسرى..».
 قاطعتها: «نعم، لاحظت ذلك، لكن لماذا هذا الفصل؟ لماذا يمينٌ ويسارٌ؟ لماذا لا يكون قطعةً واحدةً؟».
قالت لي: «هذا الفصل نتيجة تطوّر الأحياء بطريقةٍ متناظرةٍ ضمن قسمين بشكلٍ عامٍ. إذ نجد الأحياء في الطبيعة قد تطوّرت أجسامها لتأخذ أشكالًا متناظرةٍ، إمّا بشكلٍ شعاعي Radial symmetry، حيث نستطيع قسم أيَّ جزءٍ منها كما تقسم قرص البيتزا، فنحصل على جزءٍ يطابق بقيّة الأقسام. أو بشكل ثنائي جانبي Bilateral symmetry . أي تناظر الجسم على جهتين: يمينٍ ويسارٍ، وقد تطوّرت أدمغة الكائنات ذات التناظر الثنائي الجانبي بحيث يكون المخّ أيضًا مقسومٌ  إلى قسمين، أيمن وأيسر. لكن في الواقع، القسمان ليسا منفصلان وإنّما متّصلان بهذا الجسر في الوسط».
سألتها: «وما الحاجة لهذا الجسم في الوسط؟».
قالت لي: «هذا الجسم الثفني Corpos collosom، ووظيفته ربط القسمين مع بعضهما البعض. وهو مهمٌ جدًا، إذا أنّه ينقل المعلومات بين القسمين لبناء أفضل نتيجةٍ ذهنيةٍ ممكنةٍ. في بعض الحالات، عندما يُصاب الجسم الثفني بضررٍ ما، لا نستطيع أن نعلم ما يجري بين الأقسام، وبالتالي قسم الإدارة تصله إشارات متضاربةَ. بالمناسبة، في أسفل الجسم الثفني توجد غرفةٌ صغيرةٌ لكنها مهمةٌ جدًا اسمها النواة القاعدية Basal ganglia وهي المسؤولة عن تنظيم الحركة بالتعاون مع قسم المخيخ، فهما يسيطران على أغلب الأعمال الحركيّة في الجسم».
قالت لي: «حسنًا قسمنا معقدٌّ كثيرًا وعلينا البدء. سمعت أنّ هدف رحلتك البحث عن الأنا، صحيحٌ؟».
قلت لها: «نعم هذا صحيحٌ..».
قالت: «حسنًا سأنهي الجولة في قسم الأنا لكي تتعرف عليه جيدًا.. القسم الأيسر عمومًا، مسؤولٌ عن الأعمال الحسابيّة مثل الرياضيّات والمنطق والنطق وغيرها. بينما نجد وظائفًا مثل تمييز الوجوه والأشياء والإبداع وفهم اللغة موجودةً في القسم الأيمن.. انظر هنا، هل ترى هذه الغرفة التي شكلها مثل شكل حبّة البندق؟ هذه تسمى اللوزة الدماغية Amygdala ويوجد لدينا منها واحدةٌ في كلّ فص (أيمن وأيسر)، وهي مسؤولةٌ عن تقييم أيّ إشارات خطرٍ قادمةٍ من الخارج وتعمل كجهاز استشعارٍ للخطر. لن أعقد لك الأُمور كثيرًا إلّا أنّ اللوزة الدماغية تختلف بين الذكور والإناث من حيث الحجم وأيضًا بعض الوصلات الداخليّة فيها تكون مختلفةً بناءً على التوجّه الجنسيّ».
فجأة سمعنا صوتًا عاليًا: إنذار إنذار إنذار..
سألت المسؤولة المرافقة لي: «ماذا يحدث؟».
قالت: «هذا انذار: القتال أو الهروب! يبدو أنّ شيئًا ما حدث في الخارج!».
في الخارج .. كنت أمشي في الشارع، فجأةً أسمع صوتًا قويًا بالقرب مني فقفزت من مكاني خوفًا من الصوت، ثم اكتشفت أنّ الصوت صادر عن عادم إحدى السيارات القريبة، ولا شيء خطرٌ في الأمر.
لنلقي نظرةً على التفاعلات التي حدثت. في البداية، استشعر الجهاز العصبيّ الرئيسيّ الصوت المفاجئ عن طريق حاسّة السمع، فأرسل سيالةً عصبيةً مستعجلةً إلى قسم الوطاء Hypothalamus فحواها: «سمعت صوتًا عاليًا!».
أرسل قسم الوطاء رسالةً مباشرةً إلى اللوزة الدماغية Amygdala حيث نحن متواجدون. وفي نفس الوقت يقوم القسم المركزيّ الدماغيّ بسؤال بقيّة الأقسام: «هل لدى أحدكم ايّ تفسيرٍ منطقيٍّ لهذا الصوت؟ مصدره؟ اتّجاهه؟ لماذا الصوت أعلى من المعتاد؟ هل سماع هذا الصوت أمرٌ طبيعيٌ حسب البيئة المحيطة؟»، فيأتي الجواب من جميع الأقسام: «لا يوجد ربطٌ منطقيٌّ بين الصوت وبين جميع البيانات المتوفّرة لدينا».
فيتّخذ قسم الوطاء الدماغيّ مباشرةً تدابيره المتعلقة بالخطر (هذا يعني أنّ الجسم يحتاج للطاقة بشكلٍ سريعٍ وفوريٍّ لكي يستطيع التفاعل مع الخطر بشكلٍ مناسبٍ).
عادةً ما يتعامل الدماغ مع كلّ ما هو مجهولٌ على أنّه ظرف (خطرٍ) على أساس قاعدة “الحذر واجبBetter safe than sorry”، ويرسل برسالةٍ مستعجلةٍ إلى الغدّة الكظريّة عن طريق إفراز هرمونٍ إسمه ACTH. بمجرّد ارتفاع نسبة هذا الهرمون في الدم يعرف فريق الغدة الكظريّة أنّ عليهم العمل بنشاطٍ أكثرٍ لأنّ الجسم بحاجةٍ لحرق كمياتٍ كبيرةٍ من السكّر. يبدأ فريق الغدّة الكظريّة فورًا بإنتاج هرمونٍ اسمه كورتيزول وهو مسؤولٌ بشكلٍ أساسيٍّ على استقلاب النشويّات المخزّنة في الجسم إلى سكريّاتٍ (وقودٍ) لكي تستطيع خلايا الجسم من حرق السكّر والقيام بجميع الأعمال الموكّلة إليها من قبل الدماغ.
في نفس الوقت في مكانٍ آخرٍ في الجسم، فعّل قسم اللوزة الدماغية استراتجيّة “القتال أوالهروب” عبر إعطاء الأوامر بإفراز كمياتٍ كبيرةٍ جدًا من الأدرنالين إلى الدورة الدمويّة (300 ضعف المعدل الطبيعيّ). فتتفاعل عضلة القلب مع الأدرنالين وتزيد من عدد النبضات مما يرفع ضغط الدم ويسهّل وصول أكبر كميّةٍ من الدم إلى جميع الأنسجة العضلية. الأدرنالين يحفّز الكبد على إفراز كميّاتٍ كبيرةٍ من السكر لكي تستخدمها العضلات في سياق تنفيذ استراتجية (القتال أوالهروب). مباشرةً وكجزءٍ من ميكانكيات “القتال والهروب” يتوسّع بؤبؤ العين لإدخال كميّةٍ أكبر من الضوء ليتسنى للدماغ أن يرسم صورةً أفضل لما يجري من حوله ويستطيع استقصاء نوع الخطر المحدق.
بعد ارتفاع نبضات القلب أصبحت الدورة الدموية تهدر في الجسم والكريّات الحمراء التي تحمل السكر تتسابق في إمداد الخلايا المتواجدة على الخطوط الأماميّة للأنسجة العضليّة من الذخيرة السكريّة الكافية لحرقها في حال اطلق الدماغ الأوامر.
بعد مرور ثانيةٍ تقريبًا.
استطاع الدماغ القسم المركزيّ تحديد نوع الخطر، إذ أن بعض الخلايا الدماغيّة التي تعمل في قسم الذاكرة وجدت ملفًا سابقًا ينص على أنّ هذه التجربة سبق وحصلت في الماضي، وأنّ النتيجة حينها كانت سليمةٌ ولا داعي للذعر. أما قسم المنطق في الإدارة، فقد ربط بين مصدر الصوت ووجود باصٍ أخضر اللون مع رائحة دخان الوقود في الجوّ، واستنتج أنّ الصوت لا يشكل خطرًا وإنّما هو مجرد فرقعة صدرت عن عادم السيارة!
حسنًا أنه انذارٌ خاطئٌ، لذا يبدأ الدماغ بإستراتيجية ما بعد (القتال أوالهروب). كميّة الكورتزول المرتفعة في الجسم تعني أنّه على الجسم تعويض الطاقة التي تم صرفها ضمن القتال أوالهروب. تبدأ عمليّة التعويض من خلال إفراز هرمون الأنسولين الذي بدوره يحلّل كميّة السكّر العالية في الدم إلى دهونٍ لإعادة تخزينها في الجسم. بالإضافة لذلك يقوم الدماغ بإفراز هرمون (لبتين). هرمون لبتين مسؤولٌ عن التحكّم في شعور الجوع والشبع. الجسم يريد أن يعوّض ما خسره من دهونٍ فلذلك يرسل الأوامر للجهاز الهضميّ أن يتهيّء للأكل ووضع الجسم في حالة الجوع. كما يقوم الدماغ أيضًا بإجراءٍ احترازيٍّ بإعطاء أوامرٍ بتقنين الطاقة ووضع الجسم في حالةٍ من (الخمول) إلى أن يأتي الطعام.
قلت للمسؤولة المرافقة: «لقد كنت محظوظًا إذ شاهدت عمل أقسام الدماغ، ولكن أرجو أن تشرحي لي باختصارٍ عن بقيّة الأقسام، لأنّ مازال عليّ أن أتعرف على قسم الأنا والوقت يتدراكنا».
أجابت بهدوء: «باختصارٍ شديدٍ، يوجد لدينا قسم الحُصين Hippocampus، وشكله يشبه حصان البحر. هذا القسم مسؤولٌ عن تخزين الذاكرة طويلة الأمد، ففي حال تعطل هذا القسم، يخسر الجسم كافة البيانات المتعلقة بالذاكرة طويلة الأمد وخصوصًا البيانات المتعلقة بالأحداث وليس الحركة، إذ عندها، يحافظ الجسم على ذاكرته الحركيّة لأنّها تتعلق بقسم النواة القاعدية Basal Ganglia والمخيخ Cerebellum، لكنّه يفقد القدرة على تذكّر الأحداث، ويوجد من هذا القسم نسختان كذلك. نسخةٌ يمينيةٌ ونسخةٌ يساريةٌ..
والآن، لننتقل إلى قسم القشرة المخيّة Cerberal cortex، وهي ما يسمّيها البعض بالمادة الرمادية، وتتألف من أربعة أقسام تُسمى بالفصوص:
  • الفص الجبهي Frontal lobe، حيث يوجد الإدراك والأنا والمنطق وتقييم المخاطر.
  • الفص الجداري Parietal lobe ، وفيه يتم تحليل جميع الإشارات الخارجيّة ووضعها في أفضل سياقٍ يطابق الواقع.
  • الفص الصدغي  Temporal lobe، يتعلق بحاسة السمع.
  • الفص القفوي Occipital lobe، يرتبط بحاسة البصر، ويقع في الناحية الخلفية للدماغ.
بالاضافة إلى أقسامٍ عديدةٍ أخرى تعمل في تنسيق العمل بين الأقسام الأخرى، وتسمى بالباحات الترابطية Association areas. مثل الباحة الحسية في الفص الجداري، والباحة المحركة في الفص الجبهي، ويجدر بالذكر أنّ مركز اللغة موجودٌ في القسم الأيسر من قشرة المخ لدى 70٪ من البشر. وهناك باحتين ترابطيتين مسؤولتين عنه: باحة اسمها بروكا Broca’s area وهي المسؤولة عن النطق، وباحة ڤيرنيكه Wernicke’s area المسؤولةٌ عن فهم اللغة. واصابة إحدى هاتين الباحتين لا يؤثّر على الأخرى..».
قاطعتها بقولي: «اعذريني، فإنّني بدأت أتجاوز عدد الكلمات المتاحة لهذا المقال وأحتاج أن أختصر».
قالت: «حسنًا، لنذهب إلى قسم الأنا. أليس هذا مقصدك؟ لنذهب إلى الفصّ الجبهيّ. فهو ما يميّز الإنسان عن بقيّة الأحياء في نظرك».
وهم الأنا
إنّ القسم المسؤول عن اتخاذ القرارات وتقييم المخاطر والتفكير المنطقيّ وتحليل المعلومات هو القسم الأماميّ من الدماغ. لقد لاحظنا وجود العديد من الأقسام الدماغية التي تقوم بكافّة العمليات دون العودة لمركزٍ موحدٍ اسمه «أنا». القرار الحقيقيّ يتم اتخاذه قبل الوصول إلى مركز الأنا. فما هي الفائدة من الأنا إذًا؟
وهم الأنا مهمٌ لتوافق التضارب في المصالح بين الأقسام. جميع الأقسام تتنافس فيما بينها على ماذا يتوجّب فعله بناءًا على المحفّزات الخارجيّة. هذا يعني أنّ الدماغ يعمل ويوافق وينظّم بين هذه الاشارات إلى أن يصل إلى نتيجةٍ نهائيةٍ تكون ناتجةً عن عمليّة إثقالٍ وتمييزٍ في الأولويات. هذه النتيجة النهائيّة لابدّ وأن تبدو وكأنّها نتيجةٌ موحدةٌ في الدماغ. هذه النتيجة الموحدة تتجسّد على شكل «أنا» فعلت هذا. مثلًا: في حال سألنا شخصًا أن يختار أن يضغط على أحد زرين (أيسر وأيمن). ووضعنا خوذة رنينٍ مغناطيسيٍّ لمتابعة العمل الدماغيّ. سنكتشف الجهة التي سيختارها الشخص قبل أن يعلم هو بهذا الاختيار. كيف ذلك؟
يقوم الدماغ بكامل أقسامه بتحليل المعلومات واختيار جهةٍ ما بناءًا على عوامل عديدةٍ قد لا تكون ظاهرةً للشخص. هذه العوامل قد تتعلّق بالذاكرة أوغيرها من العوامل المتغيّرة. لكن قبل القيام بالعمل واتّخاذ القرار النهائيّ يتم إرسال إشارة إلى الفصّ الأماميّ مفادها أنك أنت قررّت اختيار الزرّ الأيمن. والفائدة من هذه الظاهرة هي التوفيق بين الصراعات بين الأقسام.
اذا سألتك أن تختار بلدًا من القارّة الإفريقية لا على التعيين، أعتقد أن نسبة اختيارك لدولة مصر أو ليبيا هي نسبةٌ عاليةٌ جدًا وهذا ليس لأنّك أنت من اخترت هذه البلدان وإنّما لأنّك قد قرأت عن مصر في بداية المقال أو سمعت عن الأحداث في ليبيا مؤخرًا. لماذا لا تختار جمهوريّة الموزنبيق مثلًا أو تنزانيا؟ ألست حرّ الأرادة؟
أنت مجموعةٌ من النظم الطبيعيّة المتجانسة التي تعمل في تناغمٍ مع بعضها البعض لتبقى جميعها على قيد الحياة ضمن نظام متكاملٍ نسميه الجسد. الدماغ هو أحد هذه الأنظمة ضمن الجسد وهو يلعب دور المايسترو في ضبط أدوار هذه النظم وتوظيفها.
الوهم الحاصل بكون الجسم منفصلٌ عن الدماغ أو أنّ النفس هي عبارةٌ عن قبطانٍ للجسد هو موضوعٌ فلسفيٌّ أكثر من كونه علميٌّ، لأنّه لا يوجد أيّ دليلٍ علميٍّ يثبت أنّ الدماغ والجسد كيانانٍ منفصلانٍ، بل على العكس هو كيانٌ واحدٌ مترابطٌ. عندما ننظر داخل الدماغ لا نجد طاقةً عائمةً تتحكم بمجريات الأمور. على العكس نجد أنظمةً منجانسةً تعمل ضمن قوانينٍ محددةٍ ومرتبطةً بقواعدٍ علميةٍ آخرى. لا نحتاج أن نقول «وحدث هذا بسبب السحر في أيّ مرحلةٍ من المراحل»


التعليقات